الضغوط وباء يهدد الشخصية المصرية

الضغوط وباء يهدد
الشخصية المصرية
ضغوط .. ضغوط .. ضغوط
توتر
إرهاق
ازدحام..
ضوضاء وتلوث سمعى
حساسية مفرطة لكل كلمة
غضب وسرعة اهتياج
انعدام للصبر
عجز عن التسامح
تبديد للطاقة
غلاء.. بطالة
تدنى مستوى الدخل بما يهدد الحاجات الاساسية لحياة الانسان .


press
اجراس الخطر

 

الناس تلهث مثل سيارات قديمة تجرى بأقصى سرعة وبدون فرامل..!
أصبحت الضغوط بكثرتها وتنوعها وباءً حقيقياً.. أشد خطورة على حياتنا وصحتنا من أى وباء آخر عرفناه أو قرأنا عنه.
إفراط فى الانفعال..  حتى بلغت "العصبية" وسرعة الاستثارة مستوى الأوبئة فى الانتشار  .. !
 ورغم ذلك لم تلعب وسائل الاعلام دورا ايجابيا فى علاج وباء الضغوط بل على العكس شاركت فى تأزيم الوضع واثارة وتأجيج نيران الرغبات والتطلعات والغرائز  ، وادى ذلك بالطبع  الى مزيد من الصراعات التى شكلت الوانا جديدة من الضغوط . وكان حصاد تلك الضغوط – كما ذكرنا من قبل -  تفشى و انتشار الاضطرابات النفسية والسلوكية المختلفة مثل الاكتئاب والقلق .. وغيرها والاضطرابات السلوكية والادمان والانحرافات الجنسية ..
 كما تزايدت أمراض العصر.. وعلى رأسها أمراض القلب والشرايين والذبحة الصدرية وارتفاع ضفط الدم وانخفاض معدلات الشفاء والتحسن بشكل عام.. (إن اكثر من 70% من مرضى الأمراض العضوية الذين يترددون على العيادات الطبية المختلفة يعانون من أعراض نفسية وسلوكية)..
ولا ننسى بالطبع .. مظاهر عدم التوافق والاغتراب والعنف والعدوانية ..
وعلى مستوى الاسرة زادت الانانية والانكفاء على الذات .. وتفشى الابتزاز والاستغلال وفقدان صلة الرحم بمعانى الرحمة والحب والايثار بين اقرب الاقارب ، ليحل محلها الرغبة فى التملك والاستحواز ، واللعب على غرس الشعور بالذنب والخوف من النبذ او فقدان الحب واستخدامها للضغط  والحصول على المزيد ..   وكثرت مشاكل الحماوات وزوجات الابناء ، و زيادة حالات الطلاق والبرود العاطفى والضعف الجنسى والخيانة الزوجية.. وغيرها .
ويلاحظ ان القائم بالابتزاز  – ويكون احيانا الام او الاب او الابن او  احد الزوجين -  يسرف فى المطالب والضغط  حتى تستسلم الضحية وهى تشعر بالذنب نتيجة براعة المبتز فى تغليف استغلاله وابتزازة فى قالب من الحب الزائف والتهديد بحرمان الضحية من ذلك الحب .. واصبح من الصعب التفاهم وحل المشكلات ، مما ادى الى جروح عميقة تنزف بلا توقف وخلافات عائلية معلنة او خفية ، ولكنها فى النهاية صدوع وشروخ هائلة فى بناء الاسرة تهدر طاقات ابنائها .
طوفان من الضغوط .. وكارثة حقيقية تستحق إعلان حالة التعبئة العامة.. ونشر الوعى.. والتسلح لمواجهتها قبل أن تقضى على الأخضر واليابس.




danger






danger
ملامح ونتائج التدهور
 

واصبح استمرار طوفان الضغوط وباء ينذر بتغيير وتدهور طباع وسمات الشخصية المصرية .
فالشخصية المصرية التى اثبتت عدة دراسات علمية لعلماء نفس واجتماع ومفكرين ومستشرقين انها تتميز  بسمات : الصبر  وطول البال ، الطيبة والوداعة ، الميل الى الاستقرار  ، التسامح ، الرضاء ، الذكاء , المرح وروح السخرية والدعابة ، الالفة والود  .
أغلب تلك السمات تغيرت بدرجات مختلفة تحت تأثير الضغوط المتراكمة والهموم الثقيلة .
واعتقد ان اسوأ اضرار تلك الضغوط والازمات المتكررة .. ما يلى :
  •  التسبب فى حالة من العجز أو تدهور القدرة على حل المشكلات نتيجة الحالة الانفعالية المتدنية للفرد وهو ما يعرف ب Spiral of despair ويعنى انغماس الفرد فى دوامة من الانفعالات التى تنحدر حتى تصل الى درجة الاكتئاب واليأس وان كل مرحلة من المشاعر والانفعالات السلبية ينتج عنها  حلول خاطئة للمشكلات مما يؤدى بالتالى الى تعثر الوصول الى حلول مناسبة وظهور مشكلات ثانوية جديدة .. مما يسبب بدوره انفعالات اسوأ ثم مشاكل اصعب ، فحلول اسوأ وهكذا .. دائرة مغلقة تتدرج فى الهبوط والانحدار  ، ويصاحبها  تشوش و صعوبة التفكير و تدهور متزايد فى حل المشكلات .
  • التمركز حول الذات الذى يمنع الفرد من فهم الاخر أو حتى الاستماع اليه ، وعدم اعطاء وجهة النظر الاخرى أى اعتبار وهو اضطراب يصيب – كما يقول العالم الفرنسى بياجيه – النمو المعرفى والاجتماعى ، وهذه الظاهرة نلاحظها فى مناقشاتنا حيث نلاحظ عدم الاستماع للاخر وضعف القدرة على تفهم وجهات النظر  المختلفة و واحترام اصحابها وعاداتهم وانماط سلوكهم .
  • اخطاء فى التفكير  .. مثل :
  • الخطأ فى التفسير وعدم توافر المعلومات ،
  • والافراط فى التعميم الذى يعكس السطحية وضعف التمييز والتعصب فقد يرى الفرد ان الكل لصوص أوجميع النساء خائنات وكل الرجال منافقين .. الخ .
  •  التجريد الانتقائى ومعناه قيام الفرد بالتركيز على جزء من التفاصيل السلبية وتجاهل السياق العام للموقف  .. فهو ينتقى من الموقف لحظات عارضه ويركز عليها ويتجاهل الباقى .. مثلا :  شخص ذهب الى حفل فاستقبله الجميع بصورة عادية ولكن احدهم تجاهله او لم يحسن استقباله فتجده ينسى الجميع ويظل يفكر وهوغاضب فيمن تجاهله .. ثم يطلق حكما سلبيا على الحفل او على الحاضرين .
  • المبالغة ، والشك وسوء الظن وهى ايضا من اخطاء التفكير التى تصيب الكثيرين وتسبب لهم التعاسة وسوء التوافق .
- انتشار التفكير الخرافى حتى بين الشخصيات المرموقة ، فتجد منهم من يلجأ الى السحرة والمشعوذين والدجالين لاستشارته فى امور حياتهم ، بل والاستعانة بهم فى حل مشاكلهم .
- عدم الموضوعية والتفكير العلمى ، وعدم توافر المعلومات فى الكثير من المناقشات واستبدالها بمبالغات انفعالية وانطباعات عاطفية وكلمات رنانة أو قوالب ثابتة للتفكير مأخوذة من الاشعار القديمة التى تعالج مواقف مختلفة عن الحاضر .  كل تلك الجوانب السلبية ادت الى المغايرة السلبية للاخرين والعزلة والتفكك الاجتماعى ، وكانت بمثابة معاول هدم لكثير من خصال وسمات الشخصية المصرية .




 


thinking












thinking

الفهلوة ومزيد من الهموم
 

وتحولت انحرافات البعض نتيجة هذه الاجواء الى ضغوط اضافية ، واشكال من العدوانية والقسوة غلفت معظم المعاملات فى ظل الفوضى و التساهل ، حيث اختار البعض التوحد مع  نماذج الفساد والثراء الطفيلي وتقليدها .. فانتشرت الفهلوة والتحايل لتحقيق الكسب السهل السريع  .. وادت الفوضى وعدم محاسبة المتجاوزين والفاسدين الى تحول الفهلوة الى بلطجة سافرة معلنة .. ليزداد عدد الذين توحشوا واصابهم سعار النهم  واكتناز الملايين.. واصبح المواطن العادى ابن الطبقة المتوسطة ضحية للمزيد العنف والعدوان والنصب والتحايل والبلطجة والغلاء المفتعل  بألاعيب المضاربات والاحتكار والسوق السوداء   وغيرها .. وبدت الصورة وكأننا فى حالة انهيار للتطبيع الاجتماعى الذى يتعلمه الفرد طوال عمره ليعيش فى الفة وود وتعاون مع باقى افراد المجتمع .
وتراجعت او اختفت قيم العمل والاتقان واصبحنا نسمع عبارات محزنة مثل : " اشتغل واتعب ليه .. كله محصل بعضه " .. " خد الفلوس واجرى " .. وغيرها .
لقد اكتسحت الضغوط الكثير من السمات الايجابية الجميلة فى الشخصية المصرية وعلى رأسها   التسامح والرفق و الصبر والطيبة و الوداعة و روح النكتة والمرح  وخفة الظل.. وتركت الشخصية المصرية واجمة  مرتبكة مكتئبة ضعيفة الانتماء فاقدة للامان والطمأنينة .. تعانى ازمة الحصول على اساسيات ومطالب الحياة .
كما انتشرت – خاصة بين الشباب – حالة عامة من الكآبة والقلق والاحباط  واليأس تعلن عن نفسها بعنف واستخدام الالفاظ الجارحة والتطرف والادمان واللامبالاة .
ولكن .. لا يجبب ان نصاب باليأس أو التشاؤم ، لان رسوخ السمات الايجابية للشخصية المصرية عبر تاريخ طويل يترك لنا بصيصا من الأمل فى التعافى والشفاء .
sad